ابن قتيبة الدينوري

180

تأويل مشكل القرآن

قوله حكاية عن ملأ فرعون : يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ، هذا قول الملأ ، ثم قال فرعون : فَما ذا تَأْمُرُونَ [ الأعراف : 110 ] . ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم ، أو مستقبل : كقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 110 ] ، أي أنتم خير أمّة . وقوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] ، أي وإذ يقول اللّه يوم القيامة . يدلك على ذلك قوله سبحانه : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [ المائدة : 119 ] . وقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [ النحل : 1 ] ، يريد يوم القيامة . أي سيأتي قريبا فلا تستعجلوه . وقوله : قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [ مريم : 29 ] ، أي من هو صبيّ في المهد . وكذلك قوله : وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً [ النساء : 134 ] ، وكذلك قوله : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [ الأحزاب : 27 ] . إنما هو : اللّه سميع بصير ، واللّه على كل شيء قدير . وقوله : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [ فاطر : 9 ] ، أي فنسوقه . في أشباه لهذا كثيرة في القرآن . ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل : كقوله سبحانه : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ] ، أي لا معصوم من أمره . وقوله : خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) [ الطارق : 6 ] ، أي مدفوق . وقوله : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] ، أي مرضيّ بها . وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً [ العنكبوت : 67 ] ، أي مأمونا فيه . وقوله : وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 12 ] ، أي مبصرا بها . والعرب تقول : ليل نائم ، وسرّ كاتم ، قال وعلة الجرميّ « 1 » :

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للحارث بن وعلة في شرح اختيارات المفضل 2 / 780 ، والمفضليات